محمد بن جرير الطبري

45

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ومعنى قوله : فَلا تَبْغُوا لا تلتمسوا ولا تطلبوا ، من قول القائل : بغيت الضالة : إذا التمستها ، ومنه قول الشاعر في صفة الموت : بغاك وما تبغيه حتى وجدته * كأنك قد واعدته أمس موعدا بمعنى : طلبك وما تطلبه . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا النشوز قال : إذا أطاعتك فلا تتجن عليها العلل . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : إذا أطاعته فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته النشوز . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قوله : فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا النشوز قال : العلل . وقال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : قال الثوري في قوله : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ النشوز قال : إن أتت الفراش وهي تبغضه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يعلى ، عن سفيان ، قال : إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه ، لأن قلبها ليس في يديها النشوز . حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : إن أطاعته فضاجعته ، فإن الله يقول : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا النشوز حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا النشوز يقول : فإن أطاعتك فلا تبغي عليها العلل . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً يقول : إن الله ذو علو على كل شيء ، فلا تبغوا أيها الناس على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلو أيديكم على أيديهن ، فإن الله أعلى منكم ومن كل شيء ، وأعلى منكم عليهن ، وأكبر منكم ومن كل شيء ، وأنتم في يده وقبضته ، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا وهن لكم مطيعات ، فينتصر لهن منكم ربكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء ، وأكبر منكم ومن كل شيء . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يعني بقوله جل ثناؤه : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما الحكمين وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما ، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه ، وهو إتيانه ما يشق عليه من الأمور ، فأما من المرأة فالنشوز ، وتركها أداء حق الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها ؛ وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف ، أو تسريحها بإحسان . والشقاق : مصدر من قول القائل : شاق فلان فلانا : إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشق عليه من الأمور ، فهو يشاقه مشاقة وشقاقا ؛ وذلك قد يكون عداوة ، كما : حدثنا محمد بن الحسن ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما قال : إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقته ، يقول : عادته . وإنما أضيف الشقاق إلى البين ، لأن البين قد يكون اسما ، كما قال جل ثناؤه : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ في قراءة من قرأ ذلك . وأما قوله : فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها فإن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية من المأمور ببعثة الحكمين ، فقال بعضهم : المأمور بذلك : السلطان الذي يرفع ذلك إليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا أيوب ، عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة : يعظها ، فإن انتهت وإلا هجرها ، فإن انتهت وإلا ضربها ، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان ، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها ، فيقول الحكم الحكمين الذي من أهلها : يفعل بها كذا ، ويقول الحكم الذي من أهله : تفعل به كذا ، فأيهما كان الظالم رده السلطان وأخذ فوق يديه ، وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع . حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها الحكمين قال : بل ذلك إلى السلطان . وقال آخرون : بل المأمور بذلك الحكمين الرجل والمرأة . ذكر من قال ذلك : حدثنا